بين الله قضية غفل عنها الناس جميعا الا القليل, فقال : (وما الحياة الذنيا التي فتنتكم والهتكم وابعدتكم عن ربكم سوى متاع قليل يغركم ثم يفارقكم عند موتكم), فهذه الذنيا بما فيها من شهوات ومن اموال ومن فتن ومن نساء ومن زينة ومن بنين وكل ما فيها انما هي حياة تغر من لم يمتلئ قلبه بالايمان ولم يتجه الى الله تعالى اتجاها صحيحا ; هذه قضايا واضحة لكن نسيناها او اونسيناها ولا نتذكرها الا في لحظات عابرة ثم لا تؤثر فينا.
اخي الحبيب صبينا وشابنا ورجلنا وشيخنا الكل مسوق لا بارادته ولكن بقدرة الله وعظمته, الى اين نحن مسوقون؟ الى اين نحن ذاهبون؟ الى اين نحن مسيرون؟ اننا نتجه الى الموت , الى لقاء الله سبحانه, الى حيث نرى ملائكة الجنة عند موتنا او ملائكة النار ; اننا مسيرون الى حيث تاتينا ملائكة بيض الوجوه فيها الجمال والكمال, تقول للمؤمن الذي ارضى ربه وتقول للمراة المؤمنة الصالحة, تقول للروح: اخرجي ايتها الروح الطيبة, اخرجي الى جنة الله ورحمته, اخرجي الى عفو الله ومغفرته, فاذا خرجت الروح ثاقفتها ملائكة الرحمة وصعدت بها الى السماوات العلا وكلما قابلهم فوج من الملائكة في السماء وسالوهم من معهم قالوا روح فلان بن فلان باحب الاسماء اليهم فاذا وصلت الروح الى السماء السابعة سمعت نذاء من قبل الحق, الى ان الله قد رضي عن عبده فلان او عن امته فلانا فاجعلوا روحه في عليين ; الله اكبر, السماء تزفنا والملائكة تنتظرنا ورحمة الله تغمرنا ونذاء الله يسعدنا, فماذا نبتغي بعد ذلك ,هذا كله لمن كان مؤمنا صدق الله واخلص له, فاذا عادت الروح وحملت الجنازة كانت فوق النعش تقول قدموني قدموني اسرعوا بي اسرعوا بي لانها تعلم ان رضوان الله ينتظرها, فاذا ادخلت في القبر وجاء الملكان يسالانها وجدت نفسها موثقة من قبل الله ; قد يكون المسؤول اميا وقد يكون انسانا معزولا في البادية او يعيش في قمة الصحراء وبعيدا عن الناس لكنه ممتلئ القلب بالايمان بربه وبحب الله وبالخوف منه وبالعمل على ما يرضيه, فالله سبحانه وتعالى يلهمه الكلمة التي تنجيه في قبره, فاذا قال الملكان له :من ربك ؟ قال : ربي الله, اذا قالا له :ومن نبيك ؟ قال نبيي محمد صلى الله عليه وسلم ,فاذا قالا له : ما دينك ؟ قال : ديني الاسلام, فيقولان له ؟ نم نومة العروس ويريانه مكانه في الجنة, فاذا راى وفرح قال : ربي ربي اقم الساعة, لماذ ا ؟ لياخذ جزاءه وينال ما اعطاه الله له او ما كتبه الله له, هذا هو المؤمن.
ذنيانا التي حرمتنا وشغلتنا والهتنا وملات بالحقد قلوبنا وبالحسد نفوسنا وبالكبر مجتمعنا هذه الذنيا ما قيمتها يوم نلقى ربنا ما قيمتها ؟ انحملها معنا ؟ لا. ان الميت كما جاء في الحديث الصحيح يتبعه ثلاثة ,اهله وماله وعمله, فماله يفارقه بفراق داره واما اهله فيفارقهم حين دفنه في قبره واما عمله فيلازمه الى يوم القيامة . هذا مصيرنا ما الذي يتحكم فينا ؟ الله ,والكلمة كلمة من ؟ كلمة الله, والملائكة يرحمون بامر من ؟ بامر الله, ويعذبون بامر الله ويحملوننا الى القيامة بامر الله وكل بامر الله وحكمه, اليس الا هو الذي يحكم العالم ويتصرف فيه ؟ اما الملوك فعبيد في الارض وكذلك الزعماء الكبراء كجميع خلق الله في السماوات والارض الا الرحمن, فالعبد ينجيه من عذاب الله عمله ويرميه في جهنم عمله السيء, ولذلكم المجرم, الكافر, المنافق, المرتكب الكبيرة والمصر عليها في موته ينزل الله عليه ملائكة سود الوجوه مع كفن من جهنم ينادونه بصوت مفزع, اذا راهم احس بانه خسر الذنيا والاخرة بينما هو لا يزال بين اهله, فلحظة الموت ولحظة الفراق ولحظة الشعور بالمصير ولحظة الاحساس بالسعادة الابدية او بالخسارة الابدية, والتثبيت من الله تعالى , والامر كله اليه. تقول ملائكة العذاب للروح :اخرجي ايتها الروح الخبيثة, اخرجي الى شغف الله وغضبه, فاذا اخذت الروح وارادت الملائكة ان تصعد بها الى السماء اغلقت دونها ابواب السماء ثم سمعت الروح نذاء من قبل الحق, من قبل الله, ان الله قد غضب على عبده فلان فاجعلوا روحه في سجين. اين ذنيانا؟ اين المناصب والمظاهر؟ كل ذلك فنى. اخواني الاحبة, اين اباؤنا واجدادنا؟ في القبور رميناهم وحين ذلك وجدوا عند الله مصيرهم, اذا ذهبت الى المقبرة فاعلم ان فيها جنة ونارا, فيها من غضب الله عليه, وفيها من رضي الله عنه, فيها من يعيش في روضة من رياض الجنة, ومن يحيا بروحه في حفرة من حفر النار, هؤلاء اهلنا, هم اباؤنا واجدادنا وامهاتنا وجداتنا, لذلكم يطلب منا ان ندعوا لهم وان نطلب من الله ان يغفر لهم ويرحمهم ويعفو عنهم. فاذا حملت الروح, روح المجرم الى قبره, نادت الروح من فوق الجسد, اخذت تولول وتقول : ياويلاها, اين يذهبون بها؟ فاذا وضعت في القبر وسالها الملكان : من ربك؟ تقول : هاها لا ادري ; ولو كان فيلسوفا في الذنيا وعبقريا وكاتبا واديبا وصحفيا, يثبت الله الذين امنوا في الحياة الذنيا بالقول الثابت وفي الاخرة, اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الذنيا وفي الاخرة. فاذا قال الملكان : من ربك؟ تقول : هاها لا ادري فيقولان وما نبيك تقول هاها لا ادرية فيقولان : وما دينك ؟ تقول : هاها لا اردي, فيقولان : لا دريت ولا فليت, ويضرب بمطرقة من حديد بين اذنيه من الخلف فوق راسه لو ضرب بها جبل لتفثت فيصيح صيحة يسمعها كل من على وجه الارض ماعدا الانس والجن, ثم نحن لا ندري قد يعذب في قبره انسان من اجل ذنب واحد, فان الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال : انهما يعذبان, يعني من فيهما يعذبان فاحدهما فكان يسعى بين الناس بالنميمة واما الاخر فكان لايستبرئ من البول اي لايتطهر من النجاسة ,فهما يعذبان في القبور, واخبر النبي صلى الله عليه وسلم ان امراة دخلت النار في هرة, لا هي اطعمتها ولا هي تركتها تاكل من خشاش الارض, امراة عذبت هرة فدخلت النار. اسالوا انفسكم واسالوا غيركم, بالله اسالوا انفسكم كم اناس نعذبهم, كم من زوجة تبيت باكية بسبب ظلم زوجها, كم من ولد وبنت يبيتان حزينين بسبب ظلم وهجر الوالدين, كم من اخ قسا اخوه عليه, كم من خادم قسا سيده عليه, ان الانسان لظلوم كفار, ان الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم راى ابا مسعود البدري يضرب غلاما له في غلطة وقع فيها فاخذ النبي يناديه : اعلم ابا مسعود, اعلم ان الله اقدر عليك منك على هذا الغلام, لم يقل له لما تضربه ولكنه ذكره بانتقام الله تعالى, هذا الذي يجب ان نتذكره, اننا لا نملك لانفسنا بعد موتنا عودة الى الذنيا ولا رجوعا الى كلمة صالحة ولا صلاة ركعتين ولا تسبيحة ولا تهليلة ولا تكبيرة, كل ذلك لا ينفعنا. واذا نودي يوم القيامة بعد النفخ في الصور, اذا نودي الناس للوقوف في ارض المحشر فانهم يخرجون من قبورهم حسب اعمالهم, فمنهم من يتخبط في الظلمات ومنهم من يطير في نور ايمانه ونور عمله ومنهم من يحمل ذنوبه على كتفيه, يراه الناس جميعا يحمل سرقته ويحمل ظلمه ويحمل جرمه فوق راسه وفوق كتفيه, كما قال تعالى : (ليحملوا اوزارهم كاملة يوم القيامة ومن اوزار الذين يذلونهم بغير علم) لذلك سمي يوم القيامة بالنسبة لهؤلاء بيوم الخزي ويوم العار ويوم الفضيحة, يوم فضيحة المذنبين, يوم يخرج شارب الخمر وشاهد الزور وظالم البشر ويرى ذنوبه ماتلة بين يديه, فلا يرضى عنه الله ولا يسمع له ولا يرضى بشفيع يشفع له لان الله تعالى كتب له العذاب على ما جنى .
لماذا؟ لماذا تغرنا الحياة الذنيا؟ لماذا يغرنا الشيطان؟ اليس في كتاب الله ما يكفينا؟ اليس الله بكاف عبده؟ ماهذا الذي نتخبط فيه؟ نسينا اخرتنا وشغلتنا ذنيانا وفتنتنا عن واجبنا نحو ربنا, من خالقنا؟ من رازقنا؟ من العظيم المتكبر؟ من الذي يوقفنا بين يديه يوم القيامة؟ من الذي الحكم بامره والجنة بيده والنار بيده؟ من؟ اليس هو الله؟
الله اكبر, الله اكبر, اخي الحبيب, لا ملجا لنا الا العودة الى الله والاحتماء بحماه, فاما ان نقول ربنا ان قلوبنا لا تحتمل غضبك وانا اجسادنا لا تحتمل عذابك واننا لا نقدر ولا نستطيع ان نتحمل كلمة غضب منك في الذنيا او في الاخرة, نحن عاجزون لكنك قادر, نحن ضعفاء لكنك قوي, نحن بخلاء لكنك كريم, نحن مذنبون لكنك غفور رحيم, الا ترحمنا؟ الا ترحم ضعفنا؟ اننا نقول لا اله الا الله بصدق ونقول سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر, ونحبك نحبك نحبك بعزتك نحبك, فاغفر لنا لاننا نحبك فارحمنا ارحمنا يا قيوم يا قيوم برحمتك نستعين, اباؤنا, اجدادنا امهاتنا, اولادنا واولاد اولادنا, اتفرق بيننا وبينهم يوم القيامة؟ ربي اننا امنا, ويرضيك يا ربي ان تفرق بيننا وبين احبابنا, الا تجمعنا في الجنة, الا تبقينا في رضاك, الا تنادينا يوم القيامة يا عبادي كلكم عاص وكلكم خطاء ولكنني غفور رحيم, الا تنادينا وتجمع بيننا, ربنا راودتنا نفوسنا وغلبنا الشيطان وغلبنا الهوى لكن قلوبنا بيدك تصرفها كما تشاء.
اخواني الاحبة, اذا كان ذلك هو مصيرنا فان الواجب علينا ان نتوب توبة صادقة, فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب اليه في اليوم مائة مرة, ولاننا حتى نتوب ولا تنفع التوبة الا اذا تركنا الذنوب وندمنا على فعلنا وعزمنا علىالا نعود اليها واعطينا كل صاحب حق حقه, والحذر الحذر من ظلم ذوي القربى والمصاحب لك, ان اكثر الناس ظالما وهو لا يدري, ظالم لزوجته, ظالم لابنائه, ظالم لاخوته, ظالم لاخواته, ظالم لعماته وخالاته, ظالم لخادمه, وقد لا يدري انه ظالم, فياتيه السم من العسل وياتيه الضر من حيث يظن نفعا . اذن الثوبة الصادقة هي التي ينادينا ربنا لكي نتقدم بها اليه, فيقول سبحانه وتعالى : (قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا.)